ولم يُخلد اسمه إلا في ذاكرة معارفه وذويه ورفاق سلاحه الذين غادروا جميعًا ـ بإذن الله ـ إلى جنات الخلد .. ولم نجد إلا بعض إشارات عابرة عنه أوردها المرحوم الطيب الأشهب في كتابه الشهير أثناء حديثه عن أدوار الجهاد في برقة .. وقد نجد العذر لمؤرخي تاريخ الجهاد الليبي لأسباب كثيرة ، لعل أهمها نقص ـ بل انعدام ـ الوثائق والصور التي تؤرخ وتترجم لهؤلاء الأعلام الذين كان معظمهم أميًا لا يجيد القراءة ولا الكتابة ، وحتى من نال حظًا من التعليم لم يفكر أن يسجل أو يرصد حركة الجهاد في وقته ، لأنه لم يجد الوقت الكافي لذلك ، ولم تكن الظروف مواتية للتفرغ للكتابة عن هذه الحقبة المهمة من الزمن الليبي .
على أن هذا لا ينقص من قيمة المجهود الخرافي الذي بذله المخلصون ( وهم في أغلبهم مجهولون ) لتتبع حركة الجهاد وتوثيقها ، والترجمة لمن تحصلوا عنه من معلومات من أعلام الجهاد الليبي ، في زمن شحَّت فيه المعلومات والوثائق والصور .. هذا سبب .. وسبب آخر .. إن ليبيا في معظمها هبَّت في وجه العدو المستعمر تقاومه بكل ما أوتيت من قوة وعزم ( كل حسب جهده ومقدرته وطريقته ) ؛ فكان المجاهدون أكثر من أن يحصيهم سفر أو يتتبعهم باحث .. ولولا هذه الأسباب لما أغفل التاريخ ( آدم النويحف ) .. الذي كان علامة فارقة في سجل الخالدين ، وأحد أعمدة الجهاد في ( دور ) اجدابيا الشهير .. فهو قائد ( كركون ) اجدابيا الذي أقضَّ مضاجع الطليان وكال لهم الضربات الموجعة ، وكبَّدهم الخسائر الفادحة .
وأعترف أن بطلًا كآدم النويحف لا تكفيه صفحات قليلة في كتاب .. فهو يستحق سفرًا عظيمًا يؤرخ لدقائق وتفاصيل حياته الموسومة بكل ما يشرِّف أبناء هذه المدينة .. بل أبناء هذا الوطن بكامله .. لأن آدم النويحف لم يعبر الحياة كذرة غبار ، ولم يمر منها كما مرَّ العاديون .. بل ترك عند مروره توقيعه في سجلاتها الناصعة.
فهذا جسده النحيل يشهد على بطولته .. فلم يكن هناك موضع شبر إلا وبه جرح بليغ ، أو ندبة ، أو أثر رصاصة مرقت من خلاله في موضع غير قاتل .. كيف لا ؟! وهو الذي كانت آخر كلماته وهو يحتضر : " .. الله يلعن الذلال .. اللي وين اتصير العركة ما يخشَّها .. ما فيش نهار وما احضرته في برقة .. لكن العمر عند الله .. " كأنه يتمثل قول القائد العربي خالد بن الوليد الذي مات حتف أنفه.
وهذه وهاد برقة وسهولها ووديانها ، وحتى أحجارها .. من بنينا شرقًا ، حتى القرضابية غربًا ، تشهد لهذا الفارس الصنديد .. وتلك الأبواب الضخمة المغلقة ، والأسوار العالية والجدران الصمَّاء تشهد أنها ضمَّته خلف قضبانها لأكثر من ثلاثة عشر عامًا .. وحين غادر الحياة وودَّعته كل تلك المآثر ، استقبلته الجنة ـ بإذن الله ـ تكرم وفادته ، وتتهيأ له مع رفاقه الطيبين البررة الذين نتمنى على الله أن يجمعنا بهم في مستقر رحمته .
هو ( آدم بالقاسم علي النويحف ) .. ولد في حدود سنة 1879ف. بنواحي اجدابيا ، وبالتحديد في منطقة ( امرير قابس ) موئل عائلة قابس التي تنتمي إلى فرع (علي ) في قبيلة المغاربة ، التي اشتهرت بدورها المعروف بمنطقة برقة البيضاء .. فكان يطلق أحيانًا على ( دور ) اجدابيا اسم ( دور المغاربة ) .. فلا غرو أن يخرج من صلبها هذا الفارس المغوار .. وهو إلى ذلك سليل عائلة ( البدريَّة ) ، نسبة إلى أخوالهم بيت البدرية بقبيلة العواقير .. وعائلة البدرية التي ينتمي إليها هذا الفارس عُرفت بركوب الخيل والمهارة في استعمال السلاح .. إضافةً إلى كونها عائلة مشهورة بالثراء وسعة العيش .. فلم يتتبع النويحف الشلايا ، ولم يهِم خلف القطعان في السهول والمراعي بحثًا لها عن كلأ .. بل أوكلت هذه المهمة إلى الرعيان الذين كانوا تحت إمرة عائلته ، الأمر الذي جعله يجد الوقت الكافي ليدخل ( كتَّاب ) النجع ويحفظ جزءًا من القرآن الكريم ، ويتعلم القراءة والكتابة .. ثم ليتفرَّغ بعدها إلى دور خطير كان ينتظره حين يبلغ أشدَّه .. فقد فتح عينيه على الدنيا ليرى أباه وإخوته ( طاهر واشنيبة وسليمان ) مقاتلين فرسانًا في القبيلة .. وكذلك عمه ( خميس البدرية ) الذي كان إلى جانب فروسيته كريمًا سخيًّا ، فقد تبرع بخمس وثلاثين ناقة لـ ( الدور ) ، وكانت في ذلك الزمان تُعد ثروة طائلة .. ويسأل عن أبناء عمومته ، فيعلم أن خليل والصادق ومحمد وحمد اوحيدة ( الذي كان يترنم بغناوة شعبية نبتت على لسانه : ان زلت في سبيب انجيك .. قليلة هناء يا اجدابيا ) ، وكان أشهرهم ( علي الكرش ) الذي تروى عنه الأعاجيب * * يروى عن علي الكرش أنه كان بالسجن حين زيارة الدوتشي موسيليني إلى اجدابيا ، وأراد أن يعرف عن كثب الفرسان الليبيين الذين كانوا مهرة في ركوب الخيل .. فذكر له أن أحد أمهر الفرسان يدعى علي الكرش ، وهو الآن بالسجن .. وأن جواده هو الآخر تم احتجازه .. فأمر بإخراجه من سجنه وإعادة جواده إليه .. لكن علي الكرش طلب أن يعطى بندقية .. فلا يتم ( الميز ) إلا بها .. وخاف أتباع الدوتشي عليه من هذا الفارس فأعطوه بندقية بدون رصاص .. حينها ركب الفارس جواده وحين اقترابه من المنصة حيث يوجد موسيليني ، صوَّب إلى رأسه البندقية وهو ( يترنم ) قائلاً ( عوذ بالله من عوذ بالله ) ثم صاح بعدها في وجه الحضور .. ( لولا لولا ) .. وكان هذا الاستعراض سببًا في رجوع موسيليني عن إعفائه من السجن ، فأعيد إليه . كلهم قد أبلوا أحسن البلاء في معظم معارك الجهاد التي دارت رحاها بالمنطقة الممتدة بين بنينا وسرت عندما وطئت إيطاليا تراب الوطن .. وينقب في شجرة عائلته ، فيجد أن عمه سعد ( شقيق والده لأبيه ) كان ممن ضمَّهم ثرى تشاد حين كان يحارب في صفوف المجاهدين ضد فرنسا ، التي كانت تسعى لفرنسة أفريقيا وتنصيرها .. ( وهذه قصة أخرى ) .
أما سجلات ( دور ) بنينا الشهير الذي أسَّسه شيخ الشهداء عمر المختار ، فقد حوت هي الأخرى قائمة تضم اثنتي عشر رجلًا من عائلة ( قابس ) * * وقَّعت على وثائق تفيد
أن هذه العائلة تضمُّ الكثير من المجاهدين ، منهم الشهيد ( حمد كرود ) شهيد معركة البريقة ، والشهيد ( عبد الرحمن اهليِّل ) شهيد معركة وادي النغار والشهيدان ( خليفة عمر مسعود وعقيلة اكريّم ) شهيدا معركة قمينس ، والشهيد ( يادم الجالي ) شهيد معركة اغريدة الحداد ، وثمة مجاهدون لم يقضوا في ساحات الوغى ، منهم ( سعد جشْ ) واليوزباشي إدريس بو الساكتة و عبدالسلام بوشناف والشيخ الزرُّوق خطاب ( عميد العائلة ) وعبدالجوَّاد مسعود ، وضعوا تصرُّفهم تحت إمرة المجاهد الأردني المعروف ( نجيب الحوراني ) .. وهذا الدور تكوَّن سنة 1911ف. لمواجهة الطليان بعد قدومهم مباشرة .. وكان آدم النويحف وقتها في عنفوان شبابه حين انضمامه للدور .
فهذا الثراء والعز والمشيخة لم تكن لتثني هذه العائلة عن تنكُّب السلاح ومجاهدة العدو بالمال والنفس ، ولم يوقف إيطاليا ـ في المقابل ـ عن اقتفاء أثرها ومصادرة أموالها وأرزاقها .
وعَود على فارسنا ( آدم النويحف ) ، الذي التحق بعدها بـ ( دور ) اجدابيا .. الذي حُشد فيه المجاهدون من كل صوب لمقارعة العدو .. فانضم لهذا الدور ، ورقِّيَ به إلى رتبة ( كومندان ) ، أو قائد ( كركون ) اجدابيا .
وكان دور اجدابيا يتشكَّل من ثلاثة كراكين أو ( قراقيل وهو تصحيف عن اللغة التركية التي كانت سائدة آنذاك ) .. فكان ( كركون النويحف ) ومكانه منطقة الشباك وفحل المرات وما حولها شمالاً .. و( كركون سيدي طالب ) بالزويتينة ، وكان يقوده المجاهد ( محمد حنيش اجبيل ) .. ( وكركون الهجينة ) بجنوب اجدابيا ، ويقوده المجاهد ( اللافي بو نشُّو ) .* * يذكر المرحوم الطيب الأشهب في كتابه ( برقة العربية أمس واليوم في الصفحة 407 ) أن القاراقول اسم لنقطة عسكرية صغيرة أو شبه معسكر ، وعادة يتولى القاراقول ضابط من رتبة ملازم فما فوق ، ويكون من الضباط الممتازين .
وأصبح ( آدم النويحف ) عمودًا من أعمدة الجهاد في الدور الشهير ، حتى سنة 1929ف. عندما ضيَّقت إيطاليا الخناق على المجاهدين ، وسدَّت الطرق أمامهم باتباعها سياسة الأرض المحروقة ومصادرة الأموال والثروات ، وأقامت فوق ذلك سورًا رهيبًا من الأسلاك الشائكة بالشرق الليبي .. حينها عزم النويحف على الهجرة إلى مصر .. رافضًا مجاورة العدو البغيض والامتثال لأوامره .. ولكن ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) .. فبينما هو ومن معه من مجاهدين يشلكون شُعب الوادي الفارغ جنوبي اجدابيا صادفتهم قوة إيطالية ، فاشتبكوا معها ، وأصيب ( آدم النويحف ) بجرح بليغ ، ونفدت ذخيرته القليلة ، فقبض عليه ، وتعرَّف عليه أحد أتباع العدو ( الذين لايخلو منهم زمان ولا مكان ) ، وأخبر قادته أنهم في حضرة البطل المعروف ، قائد كراكون اجدابيا آدم النويحف ، ففتَّشوه وضبطوا ما معه من أوراق ، وتأكَّد لهم أنه ( آدم النويحف ) طليبهم الذي دوَّخهم وأطال ليلهم وأثخنهم بالجراح ، فاعتقلوه من فورهم .. واقتيد إلى السجن .. وعلى الفور شُكلت له محكمة عسكرية ، لتحكم عليه بالإعدام ( وهذه أدنى عقوبة يستحقها النويحف في رأيهم ) .. ولكن كان للقدر رأي آخر .. فقد تدخل أحد الأعيان الذين كانت إيطاليا تستشيرهم في أمور الأهالي ، ونظرًا لما كان يتمتع به من حظوة لديهم ، فقد توسَّط لهذا الأسد الأسير .. وأنقذ الله على يديه رقبة النويحف من حبل المشنقة ، وخُفِّف الحكم إلى المؤبَّد .. وبقي خلف الشمس ثلاثة عشر عامًا ، ولم يخرج من السجن إلا عندما نشبت الحرب العالمية الثانية ، وطالت ليبيا بكاملها .. ووجدت إيطاليا نفسها مضطرة إلى إخراج المساجين الذين اكتظت بهم سجونها ، وشكَّلوا عبئًا ثقيلاً على الإنفاق العسكري .. فخرج آدم النويحف مع من خرج ، وعاد إلى مضارب قبيلته كهلاً في الستين من عمره ، منتظرًا لقاء ربه والفوز بما أعدَّ له ولأمثاله .. كان ذلك في حدود سنة 1942ف. بعد أن قضى في السجن عمرًا حرمه من كواصلة الجهاد .. ولم يدم بقاؤه في هذه الدنيا ، فتوفي ـ رحمه الله ـ سنة 1943 ف.
لم يكن ( آدم النويحف ) شاعرًا .. لكن كان يحلو له أن ( يترزَّز ) أثناء المعركة . ولعل أشهر ما حفظه عنه رفاقه ، تلك ( الترزيزة ) التي قالها حين استشهد قريبه ( علي عبدالعالي ) ، وكان يحبُّه جدًّا وأثيرًا لديه .. فحمله النويحف على فرسه وهو يردِّد في حزن : " ودَّرت علي .. ما جيت بشي .. " وكان ذلك في معركة المتعرِّض سنة 1925ف.
أو حين استشهد أمامه أحد أقاربه ، ويدعى ( علي بوغالية ) في معركة الرمصة ( 1914ف.) فجعل يقول أمام أهله وذويه : " شيلي عليه الصوت .. ان كان يوجعك بوغالية .. " .
وعن مآثره الحربية يذكر رفاقه في المعارك ، أنه حين رأى جنديًا إيطاليًا يصوِّب ( الماتروز ) الفتاك إلى صدور المجاهدين ، ويحصدهم ، زحف نحوه في خفة ، وعالجه برصاصة جندلته فوق سلاحه.
أما في معركة بلال ( الكراهب ) الشهيرة .. فقد أوكلت إليه مهمة قيادة الخيَّالة .. أو ما يسمَّى بـ ( السّبيب ) .
وتذاكرت شفاه الشعراء بطولاته وصيته الطيب .. وسكن قصائدهم ( التي كانت تؤرِّخ لدقائق حياتنا وتفاصيلها ) .. ونبحث عن اسم آدم النويحف في هذه الملحمة الشعبية ، فنجده بارزًا شامخًا ، يذكره الشعر الشعبي بكل فخر .. ففي قصيدة طويلة للشاعر ( حمد بومير ) معدِّدًا فيها مآثر الرجال ، ذاكرًا فيها دورهم في الجهاد ، فنقرأ :
( النويحف عليهن يوم يامر فيهن بكسرة النصراني وجَيْب ثُويّة )
ونقلِّب داكرة الشعر الشعبي ، لنجدَ شاعرًا آخر ، هو ( سليمان بوخمادة ) يقول في ثنايا قصيدة طويلة :
يادم النويحف مــن اعـــزاز علـيـــهم اهلالي خذا في الـدور كومندار
حيشان عيت اجبــيل شـــــــارك فيهن وفي اجدابيا يحدر على الكفَّــار
و(بلال) حاضره من ناس باساميهم يهندب ويضرب والثقيل اصــدار
والجامها عزق قالــزا حــدرْ ناويهــم نِداوي علىْ حـوزة احبارة غـار
وثمة رواية لا أتورِّع عن ذكرها ، تتناقلها أفواه الذين شيَّعوه .. تقول الرواية أنهم حين شيَّعوه إلى مثواه الأخير تناهى إلى أسماعهم تهليل وتكبير يملأ الأرجاء دون أن يعرفوا مصدره .. وظل هذا التكبير يتردَّد حتى ووري جثمانه الثرى .. لكن هذا ليس غريبًا على مجاهد تزفه ملائكة الرحمن إلى جنات الله التي أعدَّها للمتقين .
وبعد .. فلأن كتبَ الجهادِ لم تتسع لهذا المجاهد العلم ، لنقص في الأدوات .. فإن ذاكرة الوطن ، وذاكرة الرفاق والرواة وأفئدة الشعراء قد خصَّصت ركنًا أثيرًا له .. ناهيك عن وعد ربه له ( وهو الأعزّ ) أن يوفيه أجره بغير حساب .
رحم الله هذا المجاهد البطل
|
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق
تذكر قول الله تعالى .{ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }