2012-08-15

السيد أحمد الزبير السنوسي نيلسـون مانديـلا.. ليبيــا

https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjTR0trmu8_vusieGlW04s0jqcbHMqpvYJVynkm1cjOb4n0I_7yX4Bv4M55Lm06g7ETUACfgChPf6fCpnQUdlopAbv8dUsgMeoQ4bXe65NQZ_sqeft_zivWMjMZwu_spMPsOKoqoM8WvaI/s1600/almgarba.blogspot.com.jpg

بقلم المناضل عبدالونيس محمود الحاسى عام 1992
...هـذا المقــال:
منذ عشرين عاما خلت.. نشرت هذا المقال بمجلة (صوت الطليعة)، التي كانت تصدرها الحركة الوطنية الليبية.. وتحديدا في شهر يونيو من عام 1992 بالعدد رقم 27، عندما كان المناضل أحمد الزبير السنوسي يعيش صامدا في زنزانته، خلف القضبان الحديدية.. ومعزولا عن جميع ما يربطه بالحياة وبالعالم، خارج اسوار سجن (بوسليم) الرهيبة.
كان ذلك وفاءا لأكثر من ثمانية عشر عاما قضيناها جيرانا في الزنازين بقسم الإعدام، نتواصل عن طريق نقرات وشفرات خاصة على الجدار المشترك، بسجن الحصان الأسود، وكذلك بعد نقلنا إلى سجن بوسليم.. إلى أن تم إطلاق سراحي مع آخرين يوم 3 مارس عام 1988.. فيما عرف (بأصبح الصبح)، ... فيما ظل المناضل أحمد الزبير السنوسي، يتوحد مع الوطن، ويتبتل في محرابه على نحو قدسي داخل زنزانته، ويواصل صموده الأسطوري، واحدا وثلاثين عاما.. وحين خرج من سجنه في صيف عام 2001، كان قد حفر بأظفاره في جدار الليل، كوة لوطنه نحو الشمس.. !؟.
ويبقى أن اقول، بأنها المرة الأولى التي ينشر فيها هذا المقال على شبكة الانترنت.. حيث فضلت أن أنشره كما هو، ودونما أدنى تغيير.. رغم ما قد يتراءى لي الآن، وبعد مضي أكثر من عشرين عاما، من بعض النقاط والفقرات التي تحتاج إلى بعض التعديل، أو حتى إلى تغيير بالكامل.
نيلسون مانديلا.. ليبيا

سنوات الاغتراب والمنفى:

* فمن هو هذا الرجل يا أبناء ليبيا.. ؟ هذا الرجل الذي انجبته الأرض التي انجبتكم، فاستمد صلابته من صلابتها.. ونضاله من نضال شعبها، حتى فاق (نيلسون مانديلا) صبرا وجلدا وصمودا.. أجل.. من هو هذا الرجل.. ؟!
* * *
• إنه المناضل أحمد الزبير أحمد الشريف السنوسي
• هو حفيد المجاهد الكبير أحمد الشريف السنوسي، واسمه على اسم جده
• تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة الابيار الابتدائية، حيث كان والده ناظرا لمدرستها
• ثم انتقل إلى مدينة بنغازي للدراسة الثانوية، حيث تحصل على الشهادة الثانوية العامة في العام 1954
• وفي صيف نفس العام 1954، أرسل مع مجموعة من الطلبة في بعثة دراسية لمدة ثلاث سنوات للدراسة بالكلية العسكرية العراقية
• بعد سفره إلى العراق بأقل من ثلاثة اشهر، أي في شهر اكتوبر عام 1954، تم اغتيال السيد ابراهيم الشلحي رئيس الديوان الملكي آنذاك، والمستشار الخاص للملك محمد ادريس السنوسي، وذلك على يد الشريف محي الدين السنوسي، وهو إبن عم أحمد الزبير. وقد غضب الملك ادريس من عملية اغتيال مستشاره الخاص.. واعتبرها مقدمة لافتكاك عرشه من قبل عائلة أحمد الشريف السنوسي. لذلك نقم على العائلة كلها.. حيث احتجز من هم في الداخل في ما يشبه معسكرات الاعتقال.. وأمر بعدم السماح بعودة من منهم في الخارج.
• بعد تخرجه من الكلية العسكرية العراقية عام 1957، عاد زملاؤه إلى ليبيا.. بينما ظل أحمد الزبير في العراق يحاول الانضمام إلى الجيش العراقي.. غير أن العلاقات الوطيدة يومذاك، بين النظامين الملكيين في ليبيا والعراق، حالت دون ذلك، فذهب إلى مصر في بداية عام 1958، عند قيام الوحدة بينها وبين سوريا، في محاولة منه للرجوع إلى ليبيا، غير أن جميع الأبواب أغلقت في وجهه.. ولم يشفع له كون الملكة فاطمة زوجة الملك ادريس هي عمته.
• من مصر انتقل إلى سوريا وقبل أن تمضي على وجوده في سوريا ستة أشهر، قامت الثورة ضد النظام الملكي في العراق في شهر يوليو عام 1958، حيث عاد إلى العراق مرة أخرى، وتم قبوله على الفور ضابطا نظاميا برتبة ملازم ثان في الجيش العراقي.. وظل ضابطا عاملا في الجيش العراقي ـ قسم المخابرة أو الإشارة ـ حتى وصل إلى رتبة رائد.
• وفي عام 1965، قام الملك محمد ادريس بما يشبه العفو أو المصالحة مع عائلة المجاهد أحمد الشريف السنوسي.. الأمر الذي مكن أحمد الزبير من العودة إلى ارض الوطن، بعد أن أمضى أحد عشر عاما في المنفى.. ؟!.
سنوات السجن والحكم الجائر بالاعدام:
* وهكذا تنتهي رحلة الاغتراب.. لتبدأ بعدها رحلة العذاب.. وهي رحلة أخرى، فالأولى كانت مع النظام الملكي، أما الثانية فمع النظام الفاشي، لذلك فهي أطول زمنا، وأكثر غربة، وأشد قسوة.. إنها رحلة سجن رهيب اسمه (الحصان الأسود)، صار معلما من معالم عهد ظالم لطاغية اسمه (معمر بومنيار القذافي).
* فبعد الانقلاب العسكري في شهر سبتمبر عام 1969، وهو الانقلاب الذي أوصل الديكتاتور القذافي إلى السلطة.. بعد ذلك الانقلاب مباشرة، بدأ القذافي في طرد أعداد كبيرة من ضباط الجيش والشرطة والموظفين، وكان احمد الزبير من بينهم.. حيث استبدلهم بأزلامه وأبناء عشيرته، ومن سار في ركابه.. وذلك تمهيدا لتشكيل أجهزة القمع القذافية.. ؟!.
* وفي شهر أغسطس من العام 1970، قامت تلك الأجهزة القمعية بأوامر من القذافي، باعتقال احمد الزبير السنوسي، مع مجموعة من ضباط الجيش والشرطة والمدنيين، وزجت بهم جميعا في غياهب سجن (الحصان الأسود) الذائع الصيت، حيث تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب الذي لا يسمح المجال هنا بذكرها جميعا أو تفصيلا، من أجل انتزاع اعترافات مزورة بأنهم متآمرون وعملاء وخونة، ويكفي أن نشير هنا فقط إلى (الفلقة) وقصصها المرعبة والمروعة.. لأن (الفلقة) صارت شعارا لا تمحوه الأيام لنظام القذافي وعهده الفاشي.. ؟!
وقد أصيب معظمهم بتشوهات جسمية ونفسية، وعاهات بدنية مستديمة، وخاصة في أرجلهم، بمن فيهم احمد الزبير.. في حين استشهد بعضهم تحت التعذيب، من بينهم المقدم عبد الحميد الماجري.
وقد أشرف على علميات التعذيب البشعة تلك (داخل سجن الحصان الأسود) الجلادون:
1. المقبور رائد اعبيد عبد العاطي بدر (مات بالسرطان)
2. نقيب مفتاح رشيد
3. ملازم أول مبروك القويري
4. ملازم ثان فرج ابو سليانة
* بعد ما يقرب من عامين من تاريخ اعتقاله، أي في شهر مايو من عام 1972، أصدرت المحكمة العسكرية الخاصة، برئاسة الجلاد مقدم علي الفيتوري في جلستها الأخيرة، حكمها بالإعدام شنقا حتى الموت على احمد الزبير السنوسي.
* ومنذ اعتقاله في أغسطس عام 1970 وحتى الآن ـ مايو 1992ـ وأحمد الزبير السنوسي لا يزال في غياهب سجن مظلم، وفي صراع شجاع مع الزمن، وجور الزنازين الرطبة والقضبان الحديدية، والأبواب الموصدة على الدوام، ضمن ظروف سيئة وأوضاع غاية في الصعوبة والقسوة.
* إثنان وعشرون عاما من الإنتظار الطويل والصمود البطولي الذي حطم القصد الجبان الذي كان يهدف إليه القذافي، وهو أن المحكوم عليه بالإعدام، سيموت من تلقاء نفسه بعد فترة قصيرة من الزمن، لمجرد التفكير الدائم في كيفية تنفيذ حكم الإعدام فيه.. ؟!
* لكن احمد الزبير بصبر الرجال وعنادهم صامدا ما يزال
* فأين نيلسون مانديلا.. من احمد الزبير السنوسي.. ؟!
* نعم إن الظلم عملة واحدة.. ولكن لها وجهان، ووجه الظلم في ليبيا في عهد القذافي، أكثر قبحا وقتامة منه في جنوب افريقيا.. حيث الحكم العنصري ـ ويالها من مفارقة عجيبة ـ فلم يكن (مانديلا) محروما من زيارات الأهل والأقارب والأصدقاء وحقوق المراسلة، كما هو الحال مع احمد الزبير السنوسي.. ؟!
* ولم يكن مانديلا محروما من الخروج للشمس والهواء والتريض والحركة.. كما هو حال احمد الزبير الذي يعيش داخل زنزانة مغلقة ليلا ونهارا.. ؟!
* ولم يكن (مانديلا) محروما من العلاج والدواء والرعاية الصحية.. في حين لا ينال الزبير إذا ما مرض سوى الإهمال والتجاهل وعدم الاهتمام.. ؟!
* ولم يكن (مانديلا) محروما من حق الاطلاع والقراءة والتفكير.. بينما صادر القذافي هذا الحق لا من الزبير وحده، بل من الشعب الليبي بأسره، منذ خطاب زوارة السيء الذكر في شهر أبريل من العام 1973.. ؟!
* ليس هذا فحسب.. بل كان (مانديلا) يتمتع حتى بحق مقابلة الصحافة وشبكات التلفزيون العالمية، وهو في سجنه، لذلك.. ظل طوال وجوده في السجن، يسبح وسط الأضواء وملء أسماع العالم وبصره، ومحل اهتمام جميع الهيئات الرسمية والشعبية، ومنظمات العفو وحقوق الانسان الدولية.. وإن لفي ذلك وحده لبعض العزاء.. إن لم يكن العزاء كله.. ؟!
* في حين قد لا يسمع بمأساة الزبير إلا القليل.. وقد لا يهتم بها إلا أهله وأقاربه وأصدقاؤه.. لكن احمد الزبير في سجنه يظل صامدا في عناد الرجال وصبرهم.. وفي صمت المناضلين وتواضعهم.. حقا: (إن البطولة أن تموت من الظمأ.. وصبرا في مجال الموت صبرا).
* * *
كلمات للوفاء من أجل الزبير.. ومن أجل الوطن:
ثمة رجال يوجدون داخل الوطن.. وثمة رجال يوجد الوطن داخلهم.. فلا تبحثوا عن الرجال في الوطن.. بل ابحثوا عن الوطن في قلوب الرجال.. ولنا في قوافل الشهداء والمناضلين الأحرار من أبناء شعبنا، ضد طغيان القذافي وبطشه وجبروته واستبداده، ما يبعث فينا الأمل والاعتزاز والفخر.. ويمدنا بزاد لا ينفذ على مواصلة النضال.. بل والعناد من اجل الحق، لتحقيق أهداف شعبنا، للعيش بعزة وحرية وكرامة.. قال الشاعر الليبي الشاب (م. ف. ص.)* الذي سجنه القذافي عشر سنوات.. قال وهو لايزال داخل السجن:
(ثريّ أنا.. وبعض زادي
فـي عنـادي)
إنه ثراء المناضلين وثروتهم التي لا ينضب لها معين.. أولئك الذين يزرعون الوطن وردة في قلوبهم.. ويسقونها بدماء جراحهم.. فلنا فيهم قدوة ومثال.. ولهم منا تحية الإكبار والإجلال والتقدير..
* تحية عهد إلى كل المناضلين الشرفاء من أجل ليبيا الحبيبة في الداخل كانوا أم في الخارج.
* تحية إلى احمد الزبير السنوسي، الذي فاق ـ نيلسون مانديلا ـ صبرا وصمودا
* تحية إلى زوجته وابنة عمه شمس الدين، التي رحلت إليه منذ ثلاثين عاما وهي في ثوب زفافها، من مدينة بنغازي إلى مدينة بغداد، في أطول رحلة تقطعها عروس إلى عريسها، لتشاركه حياة الغربة عندما كان لاجئا سياسيا في العراق.. وها هي اليوم، ومنذ إثنتين وعشرين سنة تقاسمه عذاب الانتظار الطويل، كأمثولة فذة على صبر المرأة الليبية ووفائها النادر.
* تحية إلى والدته التي سُئلت عنه يوما، فقالت وهي تغالب الدموع: (أحمد.. من عذاب لعذاب أحمد.. والله لو ريته اليوم ما عرفته.. مدة.. مدة طويلة يا كبدي.. ربي يكون معاك.. ؟!). وفي أعماقها يتردد صدى (آل الزبير بن العوام) ضد بطش الحجاج وجبروته.. وفي سمعها تتردد كلمات اسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي تخاطب ابنها عبد الله بن الزبير المصلوب على باب الكعبة: (أما آن لهذا الفارس أن يستريح).. !؟.
* تحية إلى شقيقه (راشد الزبير السنوسي) الشاعر المعطاء، وصاحب قصيدة (طواغيتا مللناكم) التي تخاطب الحكام العرب الطغاة.. لذلك منعت في معظم البلدان العربية، ولم تنشرها سوى صحيفة المجاهد الجزائرية، في غفلة من أعين الرقيب.. وقد أدخل معه ـ أي مع أحمد ـ السجن، وتعرض لنفس التعذيب والعذاب.. وحين خرج، كان (سجن الحصان الأسود) قد التهم اكثر من سبعة عشر عاما من عمره.. ؟!.
* تحية منا جميعا إلى الرجال الصامدين في سجون القذافي ومعتقلاته الرهيبة.. ؟!.
تحية إلى عمر الحريري، وصالح الغزال، وفتحي الشاعري، وعبد الهادي شاهين، ومحمد اهلال، وكنيمو، وبن طالب، والقصبي، والفلاح... وإلى جميع الرجال البواسل في الزنازين وأقبية التعذيب.. في سجن الحصان الأسود... وسجن بوسليم.. وسجن الجديدة.. وسجن عين زارة.. وسجن الهضبة.. وسجن ابوستة.. وسجن البركة.. وسجن الكويفية.. في كل السجون المعروفة منها وغير المعروفة.. ؟!.
تحية لكم منا جميعا يا من تحفرون بأظفاركم في جدار الليل، نوافذ لوطنكم نحو الشمس.. وتعبدون بأجسادكم، رغم العسف طريقا لشعبكم نحو الحرية.. تحية لكم جميعا أينما كنتم، أيها الرجال الذين لا شك عندنا في أن يوما سيأتي، يكون فيه شعبنا قادرا علىأن يعلن فخره بأنه أنجبكم جميعا.. ؟!.

عبد الونيس محمود الحاسي

أثينا/ 4 أغسطس 2012 (تاريخ إعادة النشر)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الحروف الثلاثة: (م. ف. ص.) هي اختصار لاسم الشاعر الليبي (محمد الفقيه صالح) الذي سجن مع ما صار يعرف بمجموعة مناضلي كتـّاب (مجلة الأسبوع الثقافي)، الذين كان من بينهم:
أحمد الفيتوري، وعمر الككلي، وفتحي نصيب، وادريس بن الطيب، وعلي الرحيبي، وادريس المسماري، ومصطفى الهاشمي، وعبد السلام شهاب، ورمضان الفارسي، وغيرهم ممن لا أعرفهم. لقد سجنوا جميعا لمدة عشر سنوات.. من ديسمبر عام 1978، وحتى مارس عام 1988.
وعندما كتبت هذا المقال عام 1992، لم يكن من الحكمة أن اذكر اسم الشاعر المناضل (محمد الفقيه صالح) كاملا وواضحا، وهو يعيش داخل الوطن.. خوفا على حياته وأمنه، من بطش النظام المستبد الجائر.. ؟!.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

تذكر قول الله تعالى .{ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية